شهد العالم كرنفالاً سياسياً الأسبوع الماضي مع كلمات رؤساء الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولعل الحدث، الذي أخذ حيزاً ملموساً، كان قضية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وقد تمخّضت الجهود السعودية- الفرنسية عن زيادة عدد الدول التي اعترفت بفلسطين كـ «دولة» إلى 157، وهو عدد يمثل 81% من إجمالي عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من رمزية هذه الخطوة على أرض الواقع، فإن أهميتها تبرز في كيفية التعاطي الأميركي مع القضية الفلسطينية مستقبلاً، خاصة أن واشنطن تُعدُّ اللاعب الوحيد في النظام الدولي الحالي القادر على فرض إرادته في هذه القضية، التي لم تُحل منذ 77 عاماً.كلمة الرئيس دونالد ترامب أمام الجمعية العامة كان لها صِيتٌ واسعُ التأثير، فالـ 56 دقيقة التي تحدث فيها تناول خلالها عدداً من القضايا المختلفة.

صحيح أنه انتقد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، واعتبر هذا الاعتراف مكافأة لحركة «حماس»، غير أنه ركَّز أيضاً على مسألة ضرورة إنهاء حرب غزة. وهذه المسألة كانت واضحة بعقد ترامب اجتماعاً مع عدد من قادة الدول العربية والإسلامية، بما في ذلك دولة الإمارات والسعودية وقطر ومصر وإندونيسيا وتركيا وباكستان، وهو الاجتماع الذي وصفه بـ «الأهم» من بين الاجتماعات الـ 34 التي عقدها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المهم في هذا الاجتماع هو الخطة التي قدمها ترامب للقادة فيما يتعلق بإنهاء حرب غزة، وتأكيد موقفه الرافض والمانع للرؤية الإسرائيلية بضم الضفة الغربية.
لا شك في أن السلوك الأميركي في الوقت الحالي نابع من اقتناع صُنّاع القرار في واشنطن بأن زيادة عزلة إسرائيل دوليّاً لا تصبُّ في مصلحة الولايات المتحدة، خصوصاً مع مقاربة ترامب التي بدأها منذ ولايته الأولى لإدماج تل أبيب مع دول المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التصرفات الإسرائيلية، التي كان آخرها استهداف مقر حركة «حماس» في الدوحة -بغضّ النظر عن الجدل الدائر حول التنسيق أو العِلم الأميركي بهذه الخطوة من عدمه - وضعت واشنطن في موقف محرج أمام الدول التي تراهن على أن الوجود الأميركي في المنطقة يُعد رادعاً لأي تهديد موجَّه ضد سيادتها.

ويبدو أن الأمر أصبح جلياً بأن حرب غزة لم تعد مرتبطة بجغرافية غزة وفلسطين فحسب، بل إن ارتداداتها أخذت طابعاً إقليمياً، مع الحالة التي خلقتها سياسات نتنياهو بوضع إسرائيل في حالة توجس دائم تجاه ما يتعلق بأمنها، ووضع دول المنطقة في حالة تأهب دائم لردة فعل تل أبيب غير العقلانية التي قد تستهدفها، وهي تُعَدُّ - أساساً - دولاً خارج المعادلة المتعلقة بتهديد إسرائيل.
هذه الديناميات المعقدة أصبحت مفهومة لدى واشنطن، وقد وضعت البيتَ الأبيض في اختبار حقيقي حول التزاماته تجاه الشرق الأوسط، خصوصاً مع الخطاب الإيجابي الذي جاء به ترامب منذ بداية ولايته الثانية التي بشّر فيها بخططه لإنهاء الحروب، وتعزيز التعاون والتبادل الاقتصادي مع دول المنطقة.
إن الحالة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط الآن تُبيّن أن ثمة أربعة مشاريع إقليمية تشهدها المنطقة، أخذ أغلبها طابعاً سلبياً.

فالمشروع الإيراني بوكلائه أثبت فشله، والمشروع التركي برهن على عدم فاعليته، والمشروع الإسرائيلي التوسعي برؤية متطرفيه بيَّن جنونه وعدم واقعيته. أمّا الرابع والأهم والإيجابي، فهو المشروع العربي الوطني القائم على تعزيز مفهوم الدولة الوطنية من خلال الرّهان على حقوق الشعوب ببقائها، والإصرار على ضرورة التكامل الإقليمي عبر مسار السلام والتنمية لأجيال المستقبل. ولعل مربط الفرس هنا سيكون في اقتناع البيت الأبيض بهذا المشروع الذي إذا تم الرهان عليه جدياً، فإن الوصول إلى حل الدولتين سيكون ممكناً، ولن تكون جائزة نوبل للسلام بعيدة المنال عن الرئيس دونالد ترامب.
*باحث في الشؤون الأميركية والإسرائيلية - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.